بيبرس القائد العظيم الذي حرر مدينة أنطاكية من أيدي الصليبيين في هزيمة ساحقة
تحرير انطاكية في رمضان ستمائة وست وستين وفي اليوم الرابع عشر منه.
شهد تاريخ الاسلام يوم من اعظم ايامه، وفتحا من اجل فتوحه اعز الله فيه المسلمين بعد هوان واعلى فيه رايات الاسلام، ورفع اعلام القرآن، وكان صاحب هذا الفتح العظيم بطلا من ابطال المسلمين، وقائدا من قوادهم الغر الميامين، بطل ظل على مدى سبعة عشر عاما يشرق في ارض المسلمين ويغرب ، ينازل التتار الوثنيين هنا ويقارع الصليبيين الباغين هناك ،فما فل له سيف ولا لانت له قناة، ولا انكسر في موقعة حتى القى الله مهابته ورعبه في قلوب اعداء واعداء الله.
هذا البطل هو الملك الظاهر بيبرس.
واما يومه الباقي على وجه الدهر فهو يوم فتح انطاكية واستنقاذها من ايدي الصليبيين.
بداية الأحداث
ولانطاكية ويومها المشهود قصة طويلة.
تبدأ هذه القصة منذ اواخر القرن الرابع الهجري. حيث بدأ ميزان القوى بين اوروبا النصرانية والشرق المسلم. يميل لمصلحة اوروبا. فلم يضيع الاوروبيون هذه الفرصة الذهبية السانحة.
فهب الفارس النورماندي الطامع في الاسلاب، والتاجر البندقي المتطلع الى نفائس الشرق والمرابي الفلارنسي المندفع وراء الثروة والفرنسي الهارب من المجاعة والطاعون والمتدين المهووس التائق الى رشفة من ماء الاردن، او لمسة من جدران كنيسة القيامة.
هب هؤلاء جميعا يلبون دعوة البابا اريان الثاني الى الحصول على الغفران اذا هم خلصوا قبر المسيح من ايدي المسلمين، واتجهوا نحو الشرق الاسلامي وقد خاطوا الصليب على اكتافهم اليمنى، ففتح البيزنطيون حكام اسدانت الطريق امامهم فاندفعوا كالسيل لا يقف في وجهه شيء ولا تصده عن غايته قوة، وفي سنة اربعمائة وواحد وتسعين للهجرة وصل الصليبيون الى انطاكية اول قلعة من قلاع المسلمين، واعظم حصن يفصل بينهم وبين البيزنطيين فنهد لهم واليها بجيشه وقارعهم دونها ما وسعه الجهد، ولكن انى له ان ينتصر وسيفه كان لا يزال يقطر من دماء اخوته وبني عمومته، وسقطت المدينة في ايدي الصليبيين، وتكونت منها ومما حولها اول امارة للصليبيين في بلاد المسلمين، ودعيت هذه الامارة باسم امارة الرهى او امارة انطاكية.
خبر سقوط أنطاكية على المسلمين
لقد نزل خبر سقوط المدينة العظيمة على المسلمين نزول الصاعقة ، فقامت الشعوب الاسلامية في كل مكان تلح على حكامها المتصارعين المتنازعين في ان يرسلوا جيوشهم لاستنقاذ انطاكية من ايدي الصليبيين. فاذعن الحكام لرغبة الشعوب وارسلوا طائفة من جيوشهم لتحرير المدينة المنكوبة. فحاصرتها الجيوش الاسلامية حصارا شديدا، مما جعل الصليبيين يذوقون العذاب الوانا ويتجرعون الشقاء صنوفا حتى فتك بهم الجوع فاكلوا لحم الميتة.
شاء احد القساوسة ان يشد من عزم الصليبيين المحاصرين، فاخبرهم بان احد القديسين ابلغه ان الحربة التي طعن بها السيد المسيح، مدفونة في موضع من انطاكية وأن عليهم ان يلبسوها من الارض، وان القديسين سيحاربون معهم، نبش الصليبيون الارض ولم يتركوا مكانا الا نبشوه وحفروا فيه، حتى وجدوها، فاخرجوا الحربة المزيفة المدسوسة من قبل البابا، فجنت جنونهم فرحا بها، واندفع يقاتلون المسلمين قتالا المستميتين حتى فكوا عن انفسهم الحصار ورسخت اقدامهم في المدينة العظيمة.
ومنذ ذلك اليوم المشؤوم غدت امارة انطاكية منطلقا للصليبيين. وطريقا الى بيت المقدس وشجن في حلوق المسلمين وقذا في عيون سكان حلب وما جاورها من بلاد الشام.
وبقي الامر على هذا الحال ما يقارب قرنين من الزمان.
ظهور القائدين العظيمين نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي
من خلال هذه الفترة من الزمن ظهر قائدان كبيران من اعظم قواد المسلمين، هما الملك العادل المجاهد نور الدين زنكي، والبطل الفاتح المظفر صلاح الدين الايوبي.
لكن ايا من القائدين الكبيرين لم يكتب له فتح المدينة العظيمة، بقيت انطاكية تنتظر اليوم العظيم والفاتح العظيم، حتى كان هذا اليوم يوم الرابع عشر من رمضان سنة ستمائة وست وستين، وكان هذا الفاتح العظيم هو الظاهر ببرس، لم يعمد الملك الظاهر الى فتح انطاكية الا بعد ان وطد ملكه وعزز جيشه، وفتح كلا من قيسارية وصفد وطبرية والجولان ويافا والقصيرا وعكارى وصافيتا وغيرها وغيرها.
فخضض شوكة التتار وقطع اوصال الصليبيين وغدت الفرصة سانحة امامه، جمع بيبرس جمهرة جنوده في بلاد الشام، اتى بهم من مصر ومن الموصل ومن الحجاز ومن كل مكان، واستقدم المجانيق من دمشق وحملها على ظهور الجمال فلما نأت الجمال بها حملها الامراء والاجناد والقواد على الرقاب، واخذ السلطان نفسه يعمل في جر الاخشاب مع البقر كما يقول المؤرخون.
نعم. فهم قادة لم يعرفوا تكبرا ولا استكبارا، وانما عرفوا كل طريق وكل مسلك يؤدي بهم الى النصر، ولكن لم يكن بين هذا الجيش الذي برجل واحد يعلم الى اين المسير، ودب الرعب في قلوب حكام الامارات الصليبية الباقية في ارض المسلمين فكان كل منهم يحسب ان الضربة موجهة اليه. فارسلوا وفودهم تعرض على الملك الظاهر الهدنة ودفع الجزية، فقبل مهادنة اكثرهم واستنكف عن مهادنة بعضهم، وكان وفد انطاكية من الصليبيين. من بين الذين ردوا على اعقابهم خائبين وبذلك تمكنت داهية المحارب من التفرد بفريسته وضمن لنفسه ولجيشه ان ينازلها وحيدة من غير معين، معزولة من غير سند.
لم يكن ذلك الاستعداد كله عبثا، فانطاكية مدينة من اعظم مدن العالم مناعة، لها سور ممرد طوله اثنا عشر ميلا، وعلى هذا السور ثلاثمئة وستون برجا، وفي هذه الابراج عشرون الف شرفة يطوف عليها كل يوم وليلة اربعة الاف حارس على التناوب.
وصول الجيش الاسلامي العظيم مشارف المدينة للجهاد في سبيل الله
وها قد بلغ الجيش العظيم مشارف المدينة في غرة رمضان الجنود المسلمون في صبيحته المباركة ليؤدوا فريضة الجهاد لاعلاء كلمة الله وهم يؤدون فريضة الصيام طاعة لله، والتحم جند الله مع جند الشيطان من الصليبيين في معارك حامية الوطيس، دامت اربعة ايام متواليات وفي غرة الرابعة عشر من رمضان دخلت جيوش المسلمين المدينة الحصينة بعد ان خضعت للصليبيين ما يقارب قرنين من الزمان، وانزل المسلمون من فوق بروزها راية الصليب ورفعوا مكانها رايات الاسلام، وسمعت من فوق شرفاتها اصوات المؤذنين، بعد ان كانت تجلجل عليها دقات النواقيس. وغنم المسلمون يوم انطاكية مغانم لا تقدر، وغنم الصليبيون مغارم لا تحصى.
فقد ذكر المؤرخون ان عدد قتلى الصليبيين واسراهم قد زاد على اربعين الفا، وزفت البشائر بالنصر العظيم الى كل بلد من بلاد المسلمين، فقامت الافراح في كل مكان ونصبت الزينات في كل مدينة ودقت الطبول في كل بلد.
فطوبى للشهداء الصائمين الذين فاضت ارواحهم عند اسوار انطاكية. وايديهم مشدودة على مقابض السيوف. وشربة من ماء الكوثر للعطاش الذين ماتوا وفي اكبادهم ظمأ الى الماء لا يفوقه الا ظموؤهم الى الشهادة.
فرحم الله القائد المظفر والملك الظاهر ركن الدين بيبرس واسكننا معه فسيح جناته .
