السمح بن مالك الخولاني خامس ولاة الأندلس من قبل الدولة الاموية
![]() |
| السمح بن مالك الخولاني |
كان العرب المسلمون في ظل حكم الخلفاء الأمويين يعتبرون كل حد وصلوه بداية لانطلاقة جديدة و أي فتح قاموا به لأي جبهة، بدءا لفتح آخر ومنطلقا لنصر جديد أما الغاية النهائية من ذلك فكانت نشر الإسلام في أرجاء العالم القديم كله على اعتبار أن الإسلام رسالة عالمية موجهة للناس كافة، ودين عام يجب إفاضته على الإنسانية كلها .
نسب السمح بن مالك الخولاني
السمح بن مالك الخولاني كان واليًا للأندلس حيث ولاه عليها الخليفة وهو من الأشخاص التاريخيين الذين لهم دور هام في تاريخ الأندلس الإسلامية. وقد تم تعيينه كوالي للأندلس من قبل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز عام 100 هـ، خلفًا للحر بن عبد الرحمن الثقفي، وهو أول والٍ للأندلس يُعيّن من الخليفة في دمشق مباشرةً،.
خلال فترة حكمه، نجح السمح بن مالك في تثبيت السيطرة الأموية على الأندلس وتوحيد الأقاليم المتناثرة تحت حكمه. كما نفذ حملات عسكرية قوية لاستعادة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها قوات الثوار البربرية.
تعتبر فترة حكم السمح بن مالك فترة هامة في تاريخ الأندلس، حيث شهدت استقرارًا نسبيًا وتعزيزًا للنفوذ الأموي في المنطقة. كما قام بتعزيز الإدارة والحكم الأموي في الأندلس وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. وقد أسهمت فترة حكمه في إعداد الأساس للازدهار الثقافي والاقتصادي الذي حدث في الأندلس في الفترات اللاحقة.
طموح القادة المسلمين في توسيع الدولة الاسلامية ونشر الاسلام
![]() |
| طموح القادة المسلمين في توسيع الدولة الاسلامية ونشر الاسلام |
إن طموح القادة المسلمين منذ استقرارهم في الأندلس في النصف الأول من العام العاشر الهجري لم يكن يقف في حدود شبه هذه الجزيرة، بل كان هذا الطموح كثيرا ما يقفز الى بسائط بلاد الافرنجة فرنسا ،فيما وراء سلسلة جبال البرتات التي تفصل اسبانيا عن اوروبا والتي تتخللها ممرات ومضايق تفصل بين البلدين تسمى البرتات أو الأبواب بتعريب التسمية، مثل ممر قاطلونيا في الشرق وممر على المحيط الأطلسي عند خليج بسكاي .
ورغم أن ذلك الحاجزة الشاسعة حاجز البرتات يبدو عصير الجواز، إلا أن القادة المسلمين لا يعرفون المستحيل ولا يمكن أن تحول هذه العوائق دون انطلاق لفتح أوروبا ، بيد أن الفرصة لعبور جبال البرتات من أجل تحقيق ذلك الهدف لم تتوفر لبطلين فتح الأندلوس: موسى بن نصير وطارق ابن زياد، فقد كان عليه ما بعد استكمال هذا الفتح والوصول الى غطبة جبال البرتاد ترك كل شيء على ما هو عليه والمغادرة فورا الى دمشق تلبية لامر الخليفة الوليد ابن عبد الملك .
يقول عصام الدين عبد الرؤوف في كتابه" تاريخ المغرب والأندلس" : كان لا بد ان يتبع فتح الاندلوس قفزة اخرى الى ما وراءها وفعلا فكر في هذا موسى بن نصير عندما أتم فتح إسبانيا ،ولكن الخليفة استدعى موسى ورفض تواغول المسلمين في أراض ومجاهل غير آمنة ولكن فكرة غزو ما وراء إسبانيا ظلت تتردد في النفوس حتى ولي الأندلس السمح بن مالك الخولاني وهو من خيرة الولاة الذين تولوا أمر الأندلس "
ولم تستأنف الفتوحات الإسلامية خارج حدود الأندلس إلا في عهد الوالي الخامس وهو السمح بن مالك الخولاني، السمح بن مالك والي الأندلس عندما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة سنة 99 للهجرة وشرع في تطبيق سياسته الإصلاحية العادلة .
اختارعمر بن عبدالعزيز السمح بن مالك الخولاني واليا على الأندلس، لما اختبر منه من أمانة وديانة ولتحققه من توافر صفات الأهلية والقدرة والكفاية فيه، للنهوض بالمسؤوليات الملقات على عاتقه ،وكان السمح هو خامس ولاة الأندلس التي كانت جزءا من ولاية إفريقيا في عهد الوليد وسليمان ابني عبد الملك ،وقد قرر عمر بن عبد العزيز أن تكون الأندلس ولايةا مستقلة عن ولاية أفريقيا ومرتبطة بالخلافة مباشرة .
وأمر السمح بتخليص ما تبقى من أرض الأندلس التي فتحت عنوة كما أمره أن يكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها وبحرها وهيئة مجازها وأوصاه أن يحمل الناس على طريق الحق ولا يعدل بهم عن منهج الرفق، فوصل السمح إلى قرطبة في رمضان سنة 100 للهجرة وفعل ما امره به الخليفة عمر بن عبد العزيز وبنى القنطرة على نهر قرطبة الواد الكبير ورمم الأجزاء المتخربة من سور قرطبة الغربي وكان السمح من خيرة الولاة الذين تولوا أمر الأندلس ،وكان فوق كفايته الإدارية في حماس للجهاد في سبيل الله وفي عهده تجددت الفتوحات فيما وراء جبال ألبرت الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا بصورة منظمة وجدية بعد أن كانت قد توقفت حوالي سبع سنوات بعد رحيل القائدين الفاتحين موسى بن نصير وطارق بن زياد ،إلى الشام في ذي الحجة سنة 95 للهجرة وفي ربيع 102 للهجرة
قيادة السمح بن مالك للحملة العسكرية في ربيع 721م/ 102هـ
![]() |
| قيادة السمح بن مالك للحملة العسكرية في ربيع 721م/ 102هـ |
خرج السمح على رأس حملة عسكرية واخترق جبال البرينية من الممر الساحلي التقليدي على البحر المتوسط في جهة برشلونة في شمال شرق الأندلس وافتتح مقاطعة سبتمانية في جنوب شرق فرنسا بمدونها السبع الكبرى، وفي مقدمتها نربونا تلك المدينة المهمة ذات الموقع الإستراتيجي على ساحل البحر الأبيض المتوسط فقام السمح بتحصينها وشحنها بالمؤن والرجال وأقام عليها حاكماً من قبله واجعلها ثغراً للأندلس وراء جبال البرد وقاعدة عسكرية إسلامية لمواصلة الفتوحات في هذه البلاد التي عرفت في المصادر العربية باسم الأرض الكبيرة الفيرانجة فرنسا، وكانت مملكة الفيرانجة التي أسسها كلوفيس في القرن الخامس انذاك قد فقدت سلطتها المركزية وغدت منقسمة على نفسها ففي الجنوب دوقية اقتانيا وفي الجنوب الشرقي مقاطعة بروفانس وإلى الغرب من نهر الرون مقاطعة برغانديا وفي شمال نهر اللوار الجزء الأساسي من المملكة الميرو فنجية، وكانت تمتد شرقا حتى تشمل ألمانيا المتأخرون من ملوكها الذين كانوا حين ذاك ملوكا ضعافا وكانت السلطة الحقيقية في يد محافظ القصر أو رئيس البلط .
في أي معركة استشهد السمح بن مالك الخولاني
عند عبور السمح الى أراضي غالة كان رئيس البلاط هو الرجل القوي المعروف باسم شارل والذي سيكون له شأن عظيم في تاريخ نصرانية في غرب أوروبا ،وبعد أن انتهى السمح من أمر نربونا واستكمل فتح مقاطعة سيبتمانيا زحف على رأس جيشه نحو الشمال الغربي لغزو دوقية أقطانيا فعبر نهر الجارون واستمر في التقدم حتى وقفت طلائعه بأبواب طولوشا وشرع المسلمون في محاصرتها ومحاولة اقتحام اسوارها الحصينة .
يقول المؤرخ الفرنسي اندري كلو في كتابه" اسبانيا المسلمة " : "لقد ترك السمح اسمه في التاريخ إنه أول قائد مسلم من اسبانيا يقوم بحملة جادة إلى ما وراء جبال البرتاد"
بيد أن نشاط السمح هذا في دوقية اقطانيا أثار روع سيدها الدوق أودو هذا الأخير الذي كان أقوى أمراء الفرنج في جنوب فرنسا واستطاع أودو أن يجمع في تلك الأثناء جيشا ضخما قبل أن يقرر التحرك نحو تولوز لرد المسلمين .
بداية المعركة بين الجيشين واستشهاد السمح بن مالك
![]() |
| بداية المعركة بين الجيشين واستشهاد السمح بن مالك |
لما علم السمح بزحف أودو نحوه ارتد عن مهاجمة تولوز وشرع في تعبيت جيشه لملاقاته رغم تفوق جيش الدوق أودو في العدد على جيش المسلمين ضواحي مدينة طولوشا ونشبت بين الطرفين معركة هائلة تلاحمت فيها الرماح والصيوف واتسم القتال فيها بالشدة والعنف وأبدى المقاتلون المسلمون رغم قلتهم شجاعة خارقة وصبروا صبرا فريدا وكان السمح في الصف الأول وكان يقاتل قتال الأبطال ويتنقل من مكان إلى مكان، لحث حماسهم لأقصى درجة وكان سيفه في أثناء ذلك يقطر من دم الأهداة لكنه لم يلبث أن سقط شهيدا بعد أن تكاثرت عليه وعلى المسلمين جموع الفرنجة فاستشهد يوم التروية الثامن من ذي الحجة سنة مائة واثنتين للهجرة أو أنه استشهد يوم عرفة من سنة مائة واثنتين للهجرة . وتسمى هذه المعركة بمعركة معركة تولوز .
قيادة عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي للجيش والعودة بهم
وعلى أثر مقتل هذا البطل المغوار تصدى لقيادة العامة صديقه البارز في الجيش عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي، فبذل الهمة في جمع شتات جيشه وفلوله وقاد عملية انسحابه ببراعة إلى نربونا القاعدة الإسلامية المنيعة في سبتمانيا ومنها إلى الأندلس.
وبالرغم من أن معركة تولوز قد انتهت بتلك الهزيمة القاسية والأليمة للمسلمين إلا أنها لم تؤدي إلى كسر شوكتهم بل إنها زادت من إسرارهم على متابعة حركة الفتح في تلك النواحي كما أن المسلمين لم يفقد الفتوحات التي حققها سمح بن مالك في سبتمانيا ففتوحاته في سبتمانيا ظلت باقية لاسيما نربونا عاصمة المقاطعة التي صارت ثغرا للأندلوس وراء جبال البرد وحسنا حصينا للمسلمين هناك.



