قصة "الحكم الثلاث" .. رائعة ومسلية
بداية القصة
شعر رجل بدنو أجله، فاستدعى ابنه الوحيد واسمه سعيد ،وقال له يا بني انني رجل فقير لا املك غير العمل الصالح والكلمة الطيبة فهما رصيدي في الدنيا والاخرة، انني ساترك لك ميراثا ضئيلا، ولكنه قد يكون سببا في رفعة شأنك، ورغادة عيشك.
كل ما أملك، يا بني ستجده في هذا الصندوق، خذه واحتفظ به، ولا تفتحه إلا بعد مماتي.
وفاة الأب
اخذ سعيد الصندوق، ووضعه في حجرته وبعد عدة ايام توفي الاب وحزن سعيد عليه حزنا شديدا، وفي غمرة حزنه تذكر وصيته، تذكر الصندوق.
وكم كانت دهشته بالغة، اذ فتحه فلم يجد به غير ثلاث ورقات مطوية.
وكان يمني نفسه بقسط من المال ينعش به حياته.
فتح الورقات الواحدة بعد الأخرى. فقرأ بها ثلاث عبارات:
الأولى : امضي في طريقك ولا تحد عنه .
الثانية : ساعة الحظ لا تعوض.
اما العبارة الثالثة : فهي صديقك لا تخنه وان كنت خائنا.
ردد سعيد هذه العبارات الثلاث. حتى حفظها. ثم اخذ يفكر في امره ماذا افعل؟ انني لا املك شيئا ولم يخلف لي ابي شيئا من المال استعين به. يجب ان ابحث عن عمل. فسأخرج منذ الصباح الباكر للبحث عن عمل في اي مكان.
خروج الابن سعيد للبحث عن العمل
وفي صباح اليوم التالي استيقظ سعيد وحمل متاعه ومضى في طريقه، وراح ينتقل من مكان الى مكان يبحث هنا وهناك حتى وجد مزرعة كبيرة، فذهب الى مالكها وطلب منه العمل معه، ولكن صاحب المزرعة أجابه لدي الكثير من المزارعين، ولا احتاج اليك ولكنني رفقا بك وعطفا عليك. أستطيع ان اوفر لك عملا بشرط ان تمكث معي سبع سنوات، ولا تتركني قبل مرورها.
ولكن سبع سنوات طويلة. فلنقل عامين مثلا .
إما سبع سنوات ، وإما ان ترحل في الحال.
حسنا ماذا تعطيني بعد مرور هذه السنوات السبع؟
اعطيك ما أعطيه للأخرين.
كان من الصعب على سعيد ان يرفض العمل مهما كان شرطه مجحفا قاسيا، وهو في هذه الحالة المضنية، فقد هده التعب وكاد يدركه اليأس والقنوط. لقد مضت عدة ايام. وهو يبحث عن عمل دون جدوى، وخشي سعيد، ان يكثر من التساؤل للعمل الذي يريده منه صاحب المزرعة، فيغضب منه ويضيق به ولا يلحقه باي عمل.
حسنا موافق قالها سعيد وهو يدعو ربه أن يوفقه خلال هذه السنوات السبعة، حتى يجمع مبلغا من المال يبدأ به مشروعا مفيدا ، يدر عليه دخلا يضمن له حياة مستقلة مستقرة.
بعد مضي سبع سنوات
مضت السنوات السبع، وسعيد يعمل بجد واجتهاد. عملا مضنيا وشاقا. ولا يعطيه صاحب المزرعة غير كسرة من الخبز وقطعة من الجبن. ويعامله بقسوة شديدة.
صبر سعيد على ذلك. معتقدا ان ازره في النهاية سيكون كبيرا. وسيكافئه صاحب العمل مكافأة مجزية.
مدى شهر وراء شهر وعام عام وسعيد يخلص في عمله. ويبذل جهده في اتقانه حتى انتهت أخيرا هذه السنوات السبعة. فحمد الله على ان مرت بسلام وانقضت في هدوء.
ذهب سعيد إلى صاحب المزرعة، وهو فارح مستبشر .
وقال له : لقد انتهى العام السابع يا سيدي ويجب أن أعود إلى منزلي ، فأرجوك أعطني أجري
أجر؟؟ أي أجر تريد؟
لقد قلت لك اني سأعطيك ما يأخذه الاخرون. اليس كذلك؟
بلى يا سيدي بلى.
ولقد أعطيتك مثل الاخرين قطعة جبن وكسرة خبز كل يوم.
كاد سعيد يفقد عقله وهم بالهجوم على صاحب المزرعة ليقتله. ولكنه راجع نفسه وتماسك. ومضى في طريق واجما حزينا كاسف البال. كسير الخاطر مطرق الرأس. ثقيل الخطى لا يعرف كم من الوقت مضى وهو في هذه الحال.
ولكن من المؤكد انه قطع مسافات طويلة دون هدف، حتى شعر بالجوع أمعاءه. والتعب يهد جسمه. فجلس في ظل شجرة يفكر في امره. ويعجب من حاله. ويبدئ ويعيد. فيما حدث له.
تنفيذ الوصايا الثلاث
كان سعيد جائعا. فقرر ان يقوم بالبحث عن شيء. يسد جو ويمسك عليه رمقه. ومد بصره يمينا وشمالا. فاذا هو يرى حدائق فاكهة غير بعيد منه. فمضى اليها وقبل ان يمد يده لالتقاط احدى الثمرات. تذكر العبارة الاولى:" امضي في طريقك ولا تحد عنه".
لقد كان ماضيا في طريقه للبحث عن شيء يأكله، ولكنه عندما رأى هذه الحدائق اتجه اليها ليأكل من ثمارها. وهو لا يعرف صاحبها ليستأذنه. وبينما سعيد. يقف مترددا. سمع ضوضاء شديدة. ووجد بعض القدم يضربون رجلا ضربا مبرحا بعنف وقسوة.
فاقترب منهم وسألهم عن السبب الذي حملهم على التنكيل بهذا المسكين.
قال له كبيرهم : لقد وجدناه يأكل من ثمار الحديقة دون ان يستأذن سيدي فهو لص اذا ، انه لو كان قد طلب بعض الثمار لأاعطيناه اياها. فسيدي رجل كريم وصالح لا يرد سائلا.
هكذا اذا اذا قل لسيدك انني جائع ومتعب منه استضافة هذه الليلة، قال سعيد هذه العبارة وهو يردد في سره الحكمة الثانية. ساعة الحظ لا تعوض. انتظر هنا حتى اخبر سيدي بطلبك.
وقف سعيد ينتظر وهو قلق. ماذا سيحدث له لو ان صاحب هذه الحدائق رفض ان يستضيفه في قصره. اين سيذهب؟ وقد اقبل الليل ولا يعرف مكانا للمبيت. وماذا سيكون مصيره في هذا الظلام الحالك؟ والبرد القارس. والجوع الذي يمزق احشاءه .
وبينما يذهب في التفكير مذاهب شتى. اقبل كبير الخدم ليخبر ان سيده يدعوه الى مائدة العشاء. ويوافق على ان يقضي الليل في القصر. فرح سعيد فرحا غامرا ، وقال في نفسه " ان الحظ قد يبتسم له ويعوضه عما فات خيرا".
سعيد يحل ضيفا على القصر
دخل سعيد القصر مبهورا بعظمته. وروعة بناءه وفخامة اثاثه. ووجد صاحب القصر جالسا الى مائدة العشاء. في انتظاره.
أقبل سعيد عليه. وحياه ثم جلس بجواره وهو ينظر الى اصناف الطعام يسيل نعابه ويلعق لسانه.
ويتساءل أي صنف يأكل؟
وبأيها يبدأ؟ بهذه؟ او بتلك?؟ بهذا او ذاك؟
لم ينتبه الى وجود صاحب معه، الا حين بدأت معدته تشعر بالامتلاء فنظر اليه ولدهشته وجده يأكل طعامه في جمجمة يستخدمها كوعاء.
ذهل سعيد لهذا المنظر.
كيف استطاع هذا الرجل ان يبلع طعامه؟
ولماذا يأكل في هذه الجمجمة؟
لم يستطع سعيد ان يسيطر على فضوله فقال: لماذا يا سيدي؟
لكن قبل ان يكمل سؤاله، لاحظ وجه الرجل تغير فجأة، وتغير لونه فسكت عن الكلام. ولكن صاحب القصر سأله عن أي شيء تسأله؟ اقول يا سيدي لماذا؟ لماذا تعطي اشجار الفاكهة ثمارها في الشتاء؟
وعادة ما تثمر مثل هذه في نهاية فصل الربيع.
ضحك صاحب القصر واشرق وجهه بالبهجة والسرور.
وضحك معه القدم مستبشرين مهللين. وسعيد ذاهل دهش. لا يدري سببا لهذا الضحك ولهذه البهجة .
انسحب صاحب القصر الى حجرته بعد ان طلب من احد الخدم ان يقود سعيد الى الحجرة التي سيقضي فيها ليلته.
شكره سعيد ومضى الى الحجرة التي اعدت له. ونام كما لم ينم من قبل. فلأول منذ عدة أعوام يمتلئ بطنه بالطعام ويشعر بالشبع. استيقظ سعيد عند الضحى وذهب الى صاحب القصر يشكر على حسن ضيافته. ويودعه قبل مغادرته.
كان صاحب القصر ينتظر سعيد وبيده صرة كبيرة ، أعطاه له قائلا:" خذ هذا المبلغ فأنا مدين لك به. تستطيع ان تبدأ به مشروعا يغنيك عن السؤال. ويقيك ذل الحاجة".
ولكنك يا سيدي لست مدينا لي بشيء. على العكس من ذلك. أنا مدين لك بحسن معاملتك وكرم ضيافتك.
سأقص عليك شيئا امس ونحن نتناول طعام العشاء. ظننت انك مثل الأخرين، ستسأل عن سبب تناول الطعام في جمجمة، ولكنك لم تفعل مثلهم. بل سألت عن أشجار الفاكهة وما تؤتيه من ثمار في غير موعدها.
فانت اول شخص التقيته. لا يسألني عن السر في ذلك. فانا مدين لك. اذ انك بعدم سؤالك قد خلصتني من اثر السحر. كنت مشدودا اليه ولا يتاح لي التخلص منه. الا اذا مر بالقصر شخص لم يسأل هذا السؤال. لذلك ارجو ان تقبل هذا المبلغ هدية مني.
شكرا شكرا يا سيدي وداعا.
خروج سعيد من القصر
أخذ سعيد النقود. ومضى في عائدا الى منزله. وعند نهاية حدائق القصر برز أمامه رجل كان مختبئا خلف الأشجار. وإذا به أحد الخدم الذين يعملون في القصر. دعاه الخادم للجلوس. وعرض عليه أن يعاونه في سرقة بعض أموال صاحب القصر. فهو يملك من الأموال ما لا يتسنى حصره. واذا استطاع الحصول على بعضه عاش بقية حياتهما في رغد العيش، دون أن يضطر إلى العمل. ولكني امتلك قسطا موفورا من المال وسأبدأ به مشروعا صغيرا وبالعمل والمثابرة سأحقق النجاح الذي أصبو إليه.
أجابه الخادم: سيكون مثل أي مشروع تعمل وتعمل وقد لا تحقق ربحا إلا بعد فترة طويلة. ولكن ما أعرضه عليك يجلب ربحا سهلا دون جهد أو مشقة.
فكر سعيد في الأمر ، وقال لنفسه إن صاحب القصر شديد الثراء، ولن يضره أن يفقد بعض ما له، ولعلني اجد في هذا المال تعويضا عن تعب بغير أجر.
لعلني أرتاح بعد التعب والنصب عليه ولكنه تذكر العبارة الثالثة والأخيرة" صديقك لا تخنه وإن كنت خائنا".
خاف سعيد من الخادم ، وخشي على ما معه من نقود. فتظاهر بالموافقة ، وقال له أنه سيعود إلى القصر ويطلب من صاحبه استضافته يوما أخر. ليسهل له عملية الاستيلاء على النقود، ثم يهربا معا. وما إن وصل سعيد إلى القصر حتى انفرد بصاحبه. وقص عليه ما وقع لهم خادم.
فأمر صاحب القصر باستدعاء الحرس. والقبض على الخادم الخائن. وشكر سعيد لإخلاصه ووفائه. وودعه راجيا له التوفيق والسلام.
انطلق سعيد في طريقه. يحث خطاه نحو داره. فقد كان شوقه إليها بالغا ولهفته عليها شديدة.
وما ان وصل داره حتى بدأ التفكير الدقيق في المشروع الذي يصلح له، ويفيد مجتمعه وراح يدرس الخطوات اللازمة لتنفيذ المشروع. الذي استقر عليه عزمه واجهد نفسه في السير خطوة بعد خطوة. وفي تنظيم علمي مستنير. حتى بدأ العمل وتدفق الإنتاج.
وبكثير من الجهد والمثابرة والدأب والصبر. نما المشروع حتى غدى مؤسس لها مكانتها بين الناس وحقق من ورائها سعيد. ما كفل له حياة هانئة مستقرة. وحينئذ قر قراره على أن يجعل من صندوق ابيه ميراثا تتوارثه الاسرة جيلا باب جيل.
الى هنا أصدقائي نأتي إلى نهاية حكايتنا اليوم .
شكرا لكم على المتابعة والى اللقاء، مع حكاية جديدة .
